ميلان كونديرا

الإنسان ملزم بالمعرفة , الإنسان مسؤول عن جهله , الجهل خطيئة ..... بقلم ميلان كونديرا . Milan Kundera

الاثنين، 29 أغسطس 2016

ثقافــــــة تتلمـــــــس لنفســــــــــها الطريـــــــــق ..... بقلم :الأديب والشاعر السوري سليمان نجيب الخش

الجزء الأول
مطلوب منا، نحن المثقفين العرب ، أن نكون منسجمين في أفكارنا، مع تلك الافكار التي طرحتها أوروبا وأمريكا على العالم ، في حضارتها الحديثة..
مطلوب منا أن نأكل كما يأكل الأوروبيون والأمريكيون، وأن نلبس كما يلبسون وأن نسكن كما يسكنون، وأن نتعامل كما يتعاملون ، وأن نقرأ مايقرؤون ، وأن نكتب مايكتبون وأن نفكر كما يفكرون…‏
إن هذا ليس صعباً علينا، كما أنه ليس صعباً على غيرنا من أمم الأرض فالتقليد من السهولة بحيث إن كثيراً من الحيوانات المدربة ، تستطيع أن تقلد الانسان في كثير من شؤون حياته..‏
الصعب أن نكون «حيوانات مدربة» كما يشتهي الاوربيون أن نكون..‏
مثقفونا، نحن العرب، يحسون بهذا الواقع احساساً مبهماً وغامضاً، ولكنه من الأصالة والقوة بحيث استطاع أن يضغط بشدة على الكفة الثانية لميزان شخصيتهم ، وأن يقيم توازناً متوتر الأعصاب، بين المغريات التي تقدمها أوروبا ، ليكون العربي ذيلاً للاوروبي وبين الأصالة التي تدفع بالعربي لأن يمارس عروبته بوجهها الصحيح .‏
وبين هذا المد والجزر والجبذ والنبذ ، تتفتق كبرياؤنا القومية، عن متناقضين ضخمين، متشادين الى أبعد حدود التشاد، متنابذين الى أقصى حدود التنابذ ، ولكنهما في حقيقتهما توءمان ، ورضيعا لبان أم واحدة ..‏
فهنالك ، بين مثقفينا، من يظن أن الواجب القومي يفرض عليه أن يبرهن لأوروبا أنه باستطاعته أن يقلدها، الى أقصى حدود التقليد ، في حياتها اليومية، وفي تفكيرها ، وفي تطلعها نحو المستقبل، وهو بذلك يريد أن يدفع « تهمة التخلف» عن قومه وعن وطنه، ويريد أن يثبت للعالم ، الذي هو أوروبا في نظره ، أن أحفاد خالد وعقبة والغافقي ، جديرون بالحياة ، وقادرون عليها ، قدرة الانسان الاوروبي.‏
وهنالك بين مثقفينا، من يظن أن الواجب القومي يفرض عليه أن يبرهن لاوروبا أنه هو العربي ذو التراث الإنساني المجيد برفض أن يكون تبعاً لأوروبا، فأحفاد خالد وعقبة والغافقي ، الذين قدموا للعالم تراثاً حضارياً رفيعاً، ليسوا بحاجة لما جاءت به أوروبا من حضارة وعلم، انما هو اقتباس عن حضارة آبائه وأجداده ، لذلك فإنه يرفض رفضاً نهائياً كل ما جاءت به أوروبة.، ويتطلع نحو الماضي، وهو يعيش في الحاضر ، محاولاً أن يجد لكل جديد شبيهاً له وأصلاً، فيما خلفه الأجداد..‏
وللوهلة الأولى ، سمى الأوائل الأواخر الرجعيين، وسمى الأواخر الأوائل الذيليين ولكنك عندما تعود للحياة التي يحياها عملياً هؤلاء «الرجعيون» أو «الذيليون» فإنك واجد بينهما تماثلاً منقطع النظير، فيما يأكلون ويلبسون ويقرؤون ويتعاملون…‏
لا أريد أن أناقش هؤلاء ولا هؤلاء… ولكنني أحب أن أعلن لرفاق الطريق، من طلائع الأمة العربية ، أن عهد « الذعر من أوروبا» قد آن له أن ينتهي ، وأنه آن لنا أن نعود الى أنفسنا، وأن نتلمس ذواتنا، بين هذا الخضم الهائل من المثل والمبادئ والأفكار، التي مازالت تتجاذبنا طيلة قرن أو يزيد..‏
فما من شك في أن الحضارة الأوروبية قد فاجأت العرب، كما فاجأت العالم، بمعطيات من الحضارة الرفيعة، التي شأت بضخامتها كثيراً من المعطيات الحضارية خلال التاريخ ..‏
وما من شك أيضاً في أننا نحن العرب قد سبق لنا أن أعطينا العالم من ذوات أنفسنا حضارات، هي من التألق بحيث إنها أنارت الطريق للإنسانية في ظلمات ماضيها السحيق… وما من شك أيضاً في أننا رغم ما قدمناه للعالم من تراث وتقدم، قد هوت بنا الأقدار في ظلمات من التأخر سحيقة عندما كانت أوروبا تشرئب بأعناقها نحو فجر من الحياة جديد وأن هذه الظلمات التي سقط العرب فيها، حالت بينهم وبين التقدم الإنساني، فلم يستيقظوا إلا وأوروبا قد سبقتهم أشواطاً بحيث إنه صار لزاماً عليهم أن يتعلموا منها الكثير، ليستعيدوا ثقتهم بأنفسهم أولاً، وليتابعوا الطريق الطويل الذي سبقتهم به أوروبا ثانياً.‏
وما من شك أيضاً في أن تخلف العرب عن ركب الحضارة، وسبق غيرهم لهم في هذا المضمار لا يعني مطلقاً تخليهم عن ذوات أنفسهم ليكونوا ذيلاً للسابقين كما أنه لايعني أبداً رفض كل ما جاء به السابقون من قيم ومفاهيم..‏
......... نهاية الجزء الأول من المقالة . 
مقالة: بعنوان ثقافــــــة تتلمـــــــس لنفســــــــــها الطريـــــــــق
بقلم :الأديب والشاعر السوري سليمان نجيب الخش

لمحة عن حياة  الأديب والشاعر السوري سليمان نجيب الخش يمكن زيارة هذا الرابط


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق